ابن عجيبة

325

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر ، يا محمد ، نعمة اللّه عليك بحفظه ورعايته لك إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش ، حين اجتمعوا في دار الندوة لِيُثْبِتُوكَ أي : يحبسوك في الوثاق والسجن ، أَوْ يَقْتُلُوكَ بسيوفهم ، أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة . وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، خافوا على أنفسهم ، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره ، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ ، وقال : أنا من نجد ، سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ، ولن تعدموا منى رأيا ونصحا ، فقال أبو البحتري : أرى أن تحبسوه في بيت ، وتسدوا منافذه ، غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه فيها ، حتى يموت ، فقال الشيخ : بئس الرأي ، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ، ويخلصه من أيديكم . فقال هشام بن عمرو : أرى أن تحملوه على جمل ، فتخرجوه من أرضكم ، فلا يضركم ما صنع ، فقال الشيخ : بئس الرأي ، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم . فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما ، وتعطوه سيفا ، فتضربوه ضربة واحدة ، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإن طلبوا العقل عقلناه . فقال الشيخ : صدق هذا الفتى ، فتفرقوا على رأيه ، فأتى جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره الخبر ، وأمره بالهجرة ، فبيت علّيا رضى اللّه عنه على مضجعه ، وخرج مع أبي بكر إلى الغار ، ثم سافر مهاجرا إلى المدينة « 1 » . قال تعالى : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ؛ برد مكرهم عليهم ، أو مجازاتهم عليه ، أو بمعاملة الماكرين معهم ، بأن أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين في أعينهم ، حتى تجرءوا على قتالهم ، فقتلوا وأسروا ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ؛ إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره ، وإسناد أمثال هذا مما يحسن ، للمزاوجة ، ولا يجوز إطلاقها ابتداء ؛ لما فيه من إيهام الذم . قاله البيضاوي . الإشارة : وإذ يمكر بك أيها القلب الذين كفروا ، وهم القواطع من العلائق والحظوظ والشهوات ، ليحبسوك في سجن الأكوان ، مسجونا بمحيطاتك ، محصورا في هيكل ذاتك ، أو يقتلوك بالغفلة والجهل وتوارد الخواطر والأوهام ، أو يخرجوك من حضرة ربك إلى شهود نفسك ، أو من صحبة العارفين إلى مخالطة الغافلين ، أو من حصن طاعته إلى محل الهلاك من موطن معصيته ، أو من دائرة الإسلام إلى الزيغ والإلحاد ، عائذا بالله من المحن ، واللّه خير الماكرين ، فيرد كيد الماكرين ، وينصر أولياءه المتوجهين والواصلين . وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ، وأبو نعيم في الدلائل ( باب عصمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين تعاهد المشركون على قتله ) عن ابن عباس ، وأخرجه عبد الرزاق ، في المصنف : ( المغازي ، باب من هاجر إلى الحبشة ) عن عروة بن الزبير . وأخرجه ابن سعد في الطبقات ( باب خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبى بكر إلى المدينة ) عن عائشة رضى اللّه عنها . .